الأبشيهي
522
المستطرف في كل فن مستظرف
ذلك ونجاه الله تعالى ثم أهلك نمرود وقومه بأخس الأشياء وانتقم منهم وظفر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهم فهذه ثمرة صبره على مثل هذه الحالة العظمى ولم يجزع منها وصبر وفوض أمره إلى الله تعالى في ذلك وتوكل عليه ووثق به . ثم جاءته قصة ذبح ولده وأمره الله تعالى بذلك فقابل أمره بالتسليم والامتثال وسارع إلى ذبحه من غير إهمال ولا إمهال وقصته مشهورة وتفاصيل القصة في كتب التفسير مسطورة فلما ظهر صدقه ورضاه ومبادرته إلى طاعة مولاه وصبره على ما قدره وقضاه عوضه الله تعالى عن ذبح ولده أن فداه واتخذه خليلا من بين خلقه واجتباه وأما الذبيح صلوات الله وسلامه عليه فإنه صبر على بلية الذبح . وتلخيصها أن الله تعالى لما ابتلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بذبح ولده قال : إني أريد أن أقرب قرباناً فأخذ ولده والسكين والحبل وانطلق فلما دخل بين الجبال قال ابنه : أين قربانك يا أبت . قال : إن الله تعالى قد أمرني بذبحك فانظر ماذا ترى " قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " " الصافات : 102 " يا أبت اشدد وثاقي كي لا أضطرب وأجمع ثيابك حتى لا يصل إليها رشاش الدم فتراه أمي فيشتد حزنها وأسرع إمرار السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي وإذا لقيت أمي فأقرأ السلام عليها فأقبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام على ولده يقبله ويبكي ويقول : نعم العون أنت يا بني على ما أمر الله تعالى قال مجاهد : لما أمر السكين على حلقه انقلبت السكين فقال يا أبت : أطعن بها طعناً . وقال السدي : جعل الله حلقه كصحيفة من نحاس لا تعمل فيها السكين شيئاً فلما ظهر فيهما صدق التسليم نودي أن يا إبراهيم هذا فداء ابنك فأتاه جبريل عليه السلام بكبش أملح فأخذه وأطلق ولده وذبح الكبش فلا جرم أن جعل الذبيح نبياً بصبره وامتثاله لأمره . وأما يعقوب عليه الصلاة والسلام : فإنه لما ابتلي بفراق ولده وذهاب بصره واشتداد حزنه قال : " فصبر جميل " يوسف 18 ، 83 . وكذلك يوسف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لما ابتلاه الله تعالى بإلقائه في ظلمة الجب وبيعه كما تباع العبيد وفراقه لأبيه وإدخاله السجن وحبسه فيه بضع سنين وأنه تلقى ذلك كله بصبره وقبوله فلا جرم أورثهما صبرهما جمع شملهما واتساع القدرة بالملك في الدنيا مع ملك النبوة في الآخرة . وأما أيوب عليه الصلاة والسلام : فإنه ابتلاه الله تعالى بهلاك أهله وماله وتتابع المرض المزمن والسقم المهلك حتى أفضى أمره إلى ما تضعف القوى البشرية من حمله . ولنذكر شيئاً مختصراً من ذلك وهو أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل كان يظلم الناس فنهاه جماعة من الأنبياء عن الظلم وسكت عنه أيوب عليه الصلاة والسلام فلم يكلمه ولم ينهه لأجل خيل كانت له في مملكته فأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه الصلاة والسلام تركت نهيه عن الظلم لأجل خيلك لأطيلن بلاءك فقال إبليس لعنه الله : يا رب سلطني على أولاده وماله فسلطه فبث إبليس مردته من الشياطين فبعث بعضهم إلى دوابه ورعاتها فاحتملوها جميعاً وقذفوها في البحر وبعث بعضهم إلى زرعه وجناته فأحرقوها وبعث بعضهم إلى منازله وفيها أولاده وكانوا ثلاثة عشر ولداً وخدمه وأهله فزلزلوها فهلكوا ثم جاء إبليس إلى أيوب عليه الصلاة والسلام وهو يصلي فتمثل له في صورة رجل من غلمانه فقال : يا أيوب أنت تصلي ودوابك ورعاتك قد هبت عليها ريح عظيمة وقذفت الجميع في البحر وأحرقت زرعك وهدمت منازلك على